انتقل إلى المحتوى الرئيسي

الإسلام والتنجيم - الإيمان والنجوم

8 دقيقة قراءة

النجوم في القرآن الكريم

يحتوي القرآن الكريم على إشارات عديدة إلى الأجرام السماوية والظواهر الفلكية. أقسم الله بالنجوم والكواكب والشمس والقمر في مواضع كثيرة مما يشير إلى عظمتها ودورها في النظام الكوني. سورة البروج تقسم ببروج السماء وسورة النجم تبدأ بالقسم بالنجم. يشير القرآن إلى أن النجوم خلقت لأغراض منها هداية الناس في ظلمات البر والبحر وزينة للسماء. كذلك يتحدث عن الشمس والقمر بحسبان أي بحساب دقيق مما فهمه العلماء المسلمون على أنه تشجيع لدراسة الحركات السماوية.

التمييز بين علم الفلك والتنجيم

ميز العلماء المسلمون بين علم الفلك الرصدي الذي اعتبروه علما مشروعا ومحمودا وبين التنجيم التنبؤي الذي اختلفوا في حكمه. علم الفلك المتعلق بحساب مواقع الكواكب وتحديد اتجاه القبلة وأوقات الصلاة وبداية الأشهر القمرية كان مطلوبا ومشجعا. أما التنجيم بمعنى الادعاء بمعرفة الغيب من خلال النجوم فقد رفضه كثير من العلماء لأنه يتعارض مع عقيدة أن علم الغيب لله وحده. لكن بعض العلماء فرقوا بين أنواع التنجيم ولم يرفضوه كله بالمطلق.

آراء العلماء المؤيدين

رأى بعض العلماء المسلمين أن دراسة تأثير الأجرام السماوية في العالم الأرضي ليست محرمة بالضرورة ما دام الممارس يعتقد أن الله هو الفاعل الحقيقي وأن الكواكب مجرد أسباب ظاهرية. أبو معشر البلخي أحد أعظم المنجمين المسلمين ألف كتابا خاصا في الدفاع عن مشروعية التنجيم. الكندي الفيلسوف الكبير رأى أن التنجيم فرع طبيعي من الفلسفة الطبيعية. ابن سينا قبل بعض مبادئ التنجيم مع تحفظات على المبالغات. هؤلاء العلماء اعتبروا أن فهم التأثيرات الكونية لا يتعارض مع الإيمان بل يعمقه.

آراء العلماء المعارضين

على الجانب الآخر رفض كثير من الفقهاء والمتكلمين التنجيم التنبؤي بشكل قاطع. استندوا إلى أحاديث نبوية تنهى عن إتيان الكهان والعرافين وعن ادعاء معرفة الغيب. ابن تيمية كتب بشكل مفصل ضد التنجيم واعتبره من أنواع الشرك المنافي للتوحيد. الغزالي رفض التنجيم في تهافت الفلاسفة معتبرا ادعاءاته غير قابلة للإثبات. ابن القيم صنف التنجيم ضمن أنواع الكهانة المحرمة. لكن حتى هؤلاء المعارضون فرقوا عادة بين التنجيم وعلم الفلك الرصدي واعترفوا بقيمة الأخير.

التنجيم في الممارسة الإسلامية

رغم الخلاف النظري ازدهر التنجيم عمليا في الحضارة الإسلامية لقرون. عين الخلفاء منجمين رسميين في بلاطاتهم واستشاروهم في الأمور المهمة. بنيت مراصد فلكية كبرى في بغداد وسمرقند والقاهرة وإسطنبول لخدمة كل من علم الفلك والتنجيم. درس التنجيم في المدارس والجامعات الإسلامية كجزء من المنهج العلمي. تضمنت المكتبات الإسلامية الكبرى آلاف المخطوطات في التنجيم. يشير هذا الانتشار الواسع إلى أن الموقف العملي كان أكثر تسامحا من الموقف النظري الصارم.

الموقف المعاصر

يتباين الموقف المعاصر من التنجيم في العالم الإسلامي بين الرفض القاطع والقبول المشروط. أغلب المؤسسات الدينية الرسمية تحرم التنجيم التنبؤي لكنها تشجع علم الفلك الرصدي. في المقابل يمارس كثير من المسلمين التنجيم بشكل شخصي ويرونه وسيلة لفهم أنفسهم والعالم من حولهم. يرى بعض المفكرين المعاصرين أن الموقف الوسط الأقرب للصواب هو التمييز بين ادعاء معرفة الغيب المطلق وبين دراسة التأثيرات الكونية كظواهر طبيعية. يظل هذا الموضوع محل نقاش حي يعكس التوتر الخلاق بين العلم والإيمان.